محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
199
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وَأَبْصارِهِمْ . قال الربيع : أي بأسماعهم وأبصارهم التي عاشوا بها في الناس ؛ وقيل : ولو شاء لذهب بسمعهم وأبصارهم ، عقوبة لهم على نفاقهم . وقال أهل القدر : ولو كان المراد بقوله صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ صمّا وبكما وعميا على الحقيقة دون التمثيل الذي هو التصامم والتعامي لما كان لقوله : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وجه . الأسرار إنّ المفسّرين وأهل المعاني قد أكثروا الأقوال في تقريب المثل الثاني بالممثّل به ، وحاولوا تطبيق كلّ لفظ على كلّ حالة من أحوال المنافقين ، ولعمري يحثّ الاجتهاد في التقريب بأقصى ما يمكن بشرط أن لا يخلّ بأصل آخر ؛ وإذا حملوا الصيّب النازل من السماء على القرآن أو على حملة الدين والإسلام وذلك هو الجامع لجملة الأقاويل ، وفسّروا الصيّب بالمطر وأوّلوا بأنّ مثل المنافقين كمثل أصحاب مطر نزل من السماء ، أو كأصحاب القرآن ، فقد مثّلوا المنافقين بالمؤمنين ، والصواعق التي ذكرها اللّه تعالى في ذلك المطر بآيات الوعيد ، والظلمات فيها بأحوال الكفرة ، وفي ذلك نوع تكلّف ينبو عنه الطبع ، ولا يناسبه اللفظ ؛ فإنّ القرآن ودين الإسلام كلّه خير وبركة ونور وشفاء ، والمطر الذي ضربه اللّه مثلا للمنافقين كلّه ظلمات ورعد وبرق ؛ ولم يذكر فيه ظاهرا خيرا مّا تطبيقا لذلك المثل على أحوال المنافقين . فالأولى واللّه أعلم أنّ يقال : إنّ التمثيل وقع لتقريب حال المنافقين بحال مطر فيه ظلمات ورعد وبرق . فإنّه تعالى ذكر في المثل الأوّل تشبيههم بمن استوقد نارا ، وذكر في المثل الثاني تشبيههم بأصحاب مطر لا خير فيه ، بل كلّه ظلمات ورعد وبرق . فالظلمات تماثل كفرهم وعنادهم بالقلوب ، والرعد والبرق يماثل ما يأخذ بأسماعهم وأبصارهم من إبطال الباطل وتحقيق الحقّ قسرا عليهم وتشويشا لعقائدهم ؛ وكأنّ كلّ حجّة صاعقة من الصواعق تلزمهم السكوت في القول والسكون في الحركة ، والموت أو القتل في الدنيا والعقوبة والنكال في الآخرة ؛ وكذاك إحاطة اللّه بالكافرين . وسرّ آخر : أنّ في كلّ مثل من أمثال القرآن وغيره ( 84 ب ) مقصودا ينحى بالمثل